ملا محمد مهدي النراقي

303

جامع السعادات

الأعمال بالنيات ، ولكل امرئ ما نوى ، فكل عمل تدخله شوائب الرياء فهو فاسد ، سواء وقع سرا أو علانية ، وكل عمل كان خالصا لله وأمن صاحبه من دخول الرياء فيه فلا بأس بإسراره ولا بإظهاره . ثم لو تعلق قصد صحيح بإظهار نفس العمل أو التحدث به بعد الفراغ عنه ، كترغيب الناس في الخير وتنبيههم على الاقتداء به فيه ، كان إظهاره أفضل من أسراره بشرط عدم اشتماله على رياء أو فساد آخر ، كإهانة الفقير في التصدق ، ولو اشتمل على شئ من ذلك ، كان أسراره أفضل من إعلانه ، وبذلك يجمع بين الأقوال والأخبار . والحاصل : أنه متى انفك القلب عن شوائب الرياء ، بحيث يتم الإخلاص على وجه واحد في الحالتين ، فما فيه القدوة وهو العلانية أفضل ومهما حصلت فيه شوائب الرياء لم ينفعه اقتداء غيره ، لكونه مهلكا له ، فالسر أفضل منه . فعلى من يظهر العمل أن يعلم أو يظن أنه يقتدى به ، وأن يراقب قلبه لئلا يكون فيه حب الرياء الخفي ، فربما أظهر العمل لعذر الاقتداء وكان في نفسه قصد التجمل بالعمل وكونه مقتدى به ، وهذا حال كل من يظهر العمل ، إلا من أيده الله بقوة النفس وخلوص النية ، فلا ينبغي لضعيف النفس أن يخدع نفسه فيضل ويضل ويهلك ويهلك من حيث لا يشعر . فإن الضعيف مثاله مثال الغريق الذي يعلم سباحة ضعيفة ، فينظر إلى جماعة من الغرقى فيرحمهم ، وأقبل عليهم لينجيهم ، فتشبثوا به ، وهلك وهلكوا . وهذه المواضع مزال أقدام العلماء والعباد ، فإنهم يتشبهون بالأقوياء في الإظهار ولا تقوى قلوبهم على الإخلاص ، فتحبط أجورهم بالرياء . ودرك ذلك غامض جدا لا يبلغه إلا الخائضون في غمرات علم الأخلاق . ويعرف الخلوص في ذلك بألا يتفاوت حاله باقتداء الناس به وبغيره من أقرانه وأمثاله ، فإن كان قلبه أميل إلى أن يكون هو المقتدى به ، فإظهاره العمل غير خال عن شوائب الرياء . إيقاظ لما عرفت أن المناط في صحة الأعمال وفسادها هو القصد والنية ، تعلم أن كل عمل لم يكن خالصا لوجه الله وأريد به غيره سبحانه ينبغي أن يترك